المباركفوري
386
تحفة الأحوذي
ثور إلى حمله على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون فيباح حينئذ للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظا لحياته وبقاء المالية فيه وجعل له في مقابلة نفقته الانتفاع بالركوب أو بشرب اللبن بشرط ألا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه وهي من جملة مسائل الظفر كذا أفاد الحافظ في فتح الباري قلت حمل الحديث على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون خلاف الظاهر وقال في سبل السلام إنه تقييد للحديث بما لم يقيد به الشارع وأما قول ابن عبد البر يدل على نسخه حديث ابن عمر لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه ففيه ما قال الحافظ في جواب الطحاوي من أن النسخ لا يثبت بالاحتمال والتاريخ في هذا متعذر والجمع بين الحديثين ممكن وقال في السبل أما النسخ فلا بد له من معرفة التاريخ على أنه لا يحمل عليه إلا إذا تعذر الجمع ولا تعذر هنا إذ يخص عموم النهي بالمرهونة انتهى وأما قوله بأن الحديث يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة ففيه إن هذا الحديث أيضا أصل من أصول الشريعة والجمع بين هذا الأصل وتلك الأصول المجمع عليها وتلك الآثار الثابتة التي أشار إليها ممكن وأما قول الجمهور بأن الحديث ورد على خلاف القياس من وجهين الخ ففيه ما قال الحافظ ابن القيم في أعلام الموقعين ومن ذلك قول بعضهم إن الحديث الصحيح وهو قوله الرهن مركوب ومحلوب وعلى الذي يركب ويحلب النفقة على خلاف القياس فإنه جوز لغير المالك أن يركب الدابة ويحلبها وضمنه ذلك بالنفقة فهو مخالف للقياس من وجهين والصواب ما دل عليه الحديث وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه فإن الرهن إذا كان حيوانا محترم في نفسه بحق الله سبحانه وكذلك فيه حق الملك وللمرتهن حق الوثيقة وقد شرع الله سبحانه الرهن مقبوضا بيد المرتهن فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلا وإن مكن صاحبه من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه وإن كلف صاحبه كل وقت أن يأتي يأخذ لبنه شق عليه غاية المشقة ولا سيما مع بعد المسافة وإن كلف المرتهن بيع اللبن وحفظ ثمنه للراهن شق عليه فكان بمقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة ففي هذا جمع بين المصلحتين وتوفير الحقين فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجبا وله فيه حق فلا أن يرجع ببدله ومنفعة الركوب والحلب يصح أن يكونا بدلا فأخذها خير من أن تهدر على صاحبها باطلا ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن وإن قيل للمرتهن لا رجوع لك كان في إضرار به ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شئ يختار ثم ذكر ابن القيم كلاما حسنا مفيدا من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى الأعلام وقال القاضي الشوكاني في النيل ويجاب عن دعوى مخالفة هذا الحديث الصحيح للأصول بأن السنة الصحيحة من جملة الأصول فلا ترد إلا بمعارض أرجح منها